سياسةعربية

لا يتحمله العقل.. فتاة سورية تروي ما حدث معها داخل السجن وتنقل وصية عروس من الداخل

خرجتْ من المعتقل منذ ثلاثة أيام، بعد أن قضتْ ثماني سنوات في معتقلات النظام، وحين طلبَ منها موقع “تلفزيون سوريا”، إجراء هذه المقابلة، اشترطت نشر كل المعلومات التي سترد خلال إجاباتها، وخصوصاً “وصية العروس”.

أنا فتاة سورية، لي عدّة أسماء، ففي فرع فلسطين مثلاً، كان اسمي 3/5، رقمي ثم رقم غرفتي، وفي سجن المزة العسكريّ صار اسمي 2/32، أما خلال جلسات التحقيق يغدو لي أسماء كثيرة، يستطيعُ معظم السوريين تخمينها، سأجيبُ عن كل الأسئلة، وآملُ أن تتسعَ سطور مقابلةٍ واحدة لرواية ثماني سنوات، قضيتها معتقلةً بين فرع الأمن العسكري وفرع فلسطين وسجن المزة وصيدنايا.

السبت الماضي، أصدر رئيس النظام، بشار الأسد المرسوم رقم 7، المعروف بـ “مرسوم العفو” عن مرتكبي “الجرائم الإرهابية” في سوريا قبل تاريخ 30 من نيسان الماضي.

أجرى موقع “تلفزيون سوريا” مقابلة مع إحدى النساء المعتقلات، والتي أفرج عنها حديثاً، نتحفظ على ذكر اسمها لأسباب تتعلق بسلامتها، تروي فيها قصة اعتقالها الذي دام ثماني سنوات تنقلت فيها ضمن أربعة سجون للنظام السوري، ذاقت فيها صنوف العذاب الذي تصفه بـ “الجحيم”.

*بدايةً، ما أسباب وظروف اعتقالكِ؟

أستطيعُ أن أؤكد لكَ، أن اللامبالاة التي صبغت بعض سلوكنا الثوري، كانت سبباً في اعتقال المئات من الناشطين، ومنهم أنا، لقد كنتُ حذرةً جداً عند ممارسة أي نشاط ثوري، لكنّ حمى التصوير التي أصابت بعض الناشطين الإعلاميين، أدّت خدماتٍ عظيمةً للنظام السوري وأفرعه الأمنية.

حين تأكّد والدي قبل عدة سنوات، أن التهجير القسري سيكون مصيرنا لا محالة، أمّن لنا طريقاً خرجنا فيه من المنطقة المحاصرة باتجاه الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام، حصل هذا قبل شهرين من موعدِ تطبيق الاتفاقية

التي قضتْ بتهجير أهل منطقتنا قسراً، باتجاه شمالي سوريا، لم يكن علاجُ والدي متاحاً في تلك المناطق، ثمّ وبعد شهرين فقط من تاريخ التهجير، دهمت دوريّةُ أمن منزلنا، سألوا عني فورَ دخولهم، فقلتُ لهم :”أنا فلانة”، ليصدِر رئيس الدورية أمراً بأخذي إلى السيارة فوراً، لم يكن والدي في البيت حينها، ولم تنفع توسلاتُ أمّي، وحين تيقنتْ من عجزها، حاولتْ أن تعرفَ الجهة التي سيأخذونني إليها، فصرخ بها الضابط، وهددها بأخذ بقية إخوتي إن لم تصمت.

فور جلوسي في السيارة بين عنصرين، قاموا بتقييدِ يديّ خلف ظهري، وعصبوا عينيّ بقماشة مخصصة لهذه الغاية على ما يبدو، وهكذا سأكون خلال السنوات الثمان التالية بمجرد مغادرة الزنزانة مقيّدةً معصوبة، بعد نحو ربع ساعة

وصلنا إلى مكانٍ ما، اقتادني العنصران، صعدوا درجاتٍ ثمّ نزلوا بي أخرى، تعثرتُ خلال ذلك، رفسني أحد العنصرين على عدة مواضع في جسدي، متلفظاً بشتائم جعلتني أقفُ من فوري، استلمني منهما شخصٌ ثالثٌ، سار بي بضع خطوات، ثم توقف ففكّ قيدي ونزع عصابة عيني، فتح بعدها باب زنزانة ضيقة “منفردة”، دفعني للداخل بقوة، فتعثرتُ مجدداً بأجساد خمس نساءٍ كنَّ متكوراتٍ داخلها، كأننا نعرف بعضنا منذُ زمن سألتهنّ، فأجْبْنَ هنا الأمن العسكريّ.

كيف كانت حمّى التصوير سبب اعتقالكِ؟

مرّت عدّة أيام ولم يطلبوا أحداً منا للتحقيق، وحين سألتُ شريكاتي في الزنزانة، تفاجأتُ بأن حالي كحالهنّ جميعاً، وأن إحداهنّ قد مضى أكثر من شهر على وصولها!

أصابتني لفظة “شهر” برعب شديد، وتساءلتُ كيف استطاعتْ أن تبقى حيةً في هذا القبر شهراً كاملاً؟

بعد يومين من تساؤلي، فتح السجان باب الزنزانة ثم لفظ اسمي، لم يمهلني الوقت الكافي للخوف، لأنّ حفلة الضرب والشتائم بدأت بمجرّد قولي له: “أنا”.

خلال ممشى طويل، تمكّن السجانُ من إقناعي باسمي الجديد” كلمة نابية”، وحرص أن أردد هذا الاسم عدة مرات وبه دخلتُ مكتب التحقيق.

سمعتُ صوت المحقق، حين طلب من السجان أن يجلسني على ركبتيّ، ثم قال لي ذات الصوت:” هلأ مو نحنا أولى فيكي من الخليجيين والأتراك”؟

لم أفهم إلى ما يرمي، لكنه وضح ذلك فوراً بتلميحاتٍ جنسية، كنتُ قد سمعتُ عما تتعرضُ له المعتقلات في سجون النظام، لذلك لم أعترض، بل دعوتُ الله أن يكتفوا بالكلام، ثمّ قلتُ للمحقق:” متل ما بدك سيدي”.

طلب من السجان أن يوقفني، ويرفع عصابة عينيّ قليلاً فقط، ضايقني النور على عيني فجأةً، لكنّ النور بهت حين بدأت صوري تظهرُ تباعاً على شاشة جوال المحقق، صورة لي في مظاهرة، أخرى أثناء قيامي ببخّ النجمات الحمراء الثلاث على علم الثورة، ثم عدة صور تظهرني في عدة نشاطات ثورية.

قال المحقق:” اوعى تقوليلي فوتوشوب”، فأجبتُهُ:” لا مو فوتوشوب سيدي، هي أنا”.

اعتبر المحققُ إقراري بدايةً جيدة، ثم أكّد أنهم لن يتعرضوا لي بالأذى، إن أخبرتهم الحقيقة، وسيحرصُ أن أنام اليوم في بيتنا.

*طالما ذكرتِ أن لديه صوراً تثبتُ مشاركتك بعدة نشاطات ثورية، بل إنك أكدتِ لهُ ذلك إقراراً، فما الحقيقةُ التي يريدها؟

كان يريد مني أن أخبرهُ عن عدَد العلويين، الذين كانوا في سجون مقارّ الإرهابيين! ثم كيف تمّ إعدامهم؟ ويؤكدُ أن ذلك حصل، قبل عدة شهور من تطبيق اتفاق الخروج، وسألني أيضاً عن مصير جثثهم؟!

كيف أشرحُ حالتي في تلك اللحظة؟ فأنا أجهلُ تماماً ما كانَ يسألُ عنهُ، وجهنّم ستكون حتماً خلف عبارة “لا أعلمُ عما تتحدث”، بدأتُ أخبرهُ عن أسماء أعضاء التنسيقية، والأسماء الحقيقية لبعض قادة الفصائل، ومواقع المشافي الميدانية. كنت أريد أن أثبت له، أني لن أخفي عنه، أي شيء أعرفه. تحاشياً للتعذيب.

اعتبر إجابتي استهزاءً، فبماذا سيفيدهُ معرفة أسماء مَن أصبحوا في إدلب، وما الجدوى من معرفة مواقع المشافي؟ والمنطقة صارت تحت سيطرة جيشه؟! لتبدأ بعدها رحلة العذاب، بالتعرفِ على الأنبوب البلاستيكي الأخضر، وقدرته على تمزيقِ جسد محشور في دولاب سيارة، ثم طرتُ على بساط الريح بفقرات ظهر مقلوبة، إضافة إلى الشّبْح والصعق بالكهرباء.

طلبتُ منهم عدة مرات أن يكتبوا ما يريدون وسأوقّع فوراً، فيقولون لي ستوقّعين رغماً عنكِ، لكنْ عليكِ أن تخبرينا قبل التوقيع، فأقولُ لهم قولوا لي ما تريدونه وسأقوله فوراً.

بعد عدة أيام من التعذيب المتواصل، طلبني المحقق، حين وصلتُ مكتبهُ أخبرني بنبرة هادئة، بأني قد أكونُ صادقةً في جزء من كلامي، فكيف لصبيّة مدنيةٍ، أن تعرف عدد المخطوفين ومذهبهم، ثمّ استدركَ المحقق بأنّ المنطقة المحاصرة صغيرةٌ، لذلكَ أنتِ رأيتِ أو سمعتِ بموضوع دفن الجثث، ثمّ تابع المحققُ بأن الإرهابيين حتماً أعدموا المخطوفين سراً، فقررَ ألا يسألني عن هذا التفصيل.

لم ينه المحققُ كلامه، وأكدَ لي أنّ أناساً مهمين، حدّثوهُ بشأني، ووعدهم بمساعدتي، لكنه اشترط لمساعدتي بقوله، يجبُ أنْ أقولَ أي معلومة، “حتى لو معلومة بتعتبريها تافهة قوليها معليش”، وذكّرني بأن أحداً لم يقترب حتى من غطاء راسي، حتى الآن.

في هذه اللحظة تدخّل السجانُ للمرة الأولى بالتحقيق، وقال مخاطباً إياي:” إن لم تقدّري مساعدة معلمنا لكِ، سنقتربُ من أماكنَ تتجاوزُ غطاءَ راسك” شعرتُ بيده على رأسي، ثم عنقي ثم كتفي كانت كلُّ خلية في جسدي تردد:” يا رب أنقذني”.

خفتُ كثيراً من يده، التي بدأت تنحدر أسفلَ كتفي، صرختُ: “اي اتذكرت شغلة سيدي” فقال المحقق للسجان أبعد يدك، ورحتُ أخبرهم بأننا كنا نسمع كل مدة، أن المسلحين كشفوا أمر مخبر للنظام، ثم نسمع أنهم نفّذوا فيه حكم القصاص، طبعاً دون ذكر أسماء المخبرين، ولا أذكر أنّ أحداً أحصى عددهم، بعد ذلك سرى حديث في الحي أثناء الحصار، أنّ الكلاب صارت خطرةً، بسببِ أكلها لحمَ الجثث، ختمتُ اعترافي بنوبة بكاء وتوسّل للمحقق كي يرحمني.

قال المحقق للسجان:” أشعل لها سيجارةً، وحين تنهيها أعدها للزنزانة، كي ترتاح ونكمل غداً”.

ما قصةُ الكلاب والجثث؟

القصة قديمة، والجثث لشباب من حيّنا، تسللوا خارج الحصار، ثم عادوا بأدوية للجرحى، لكن رشاشاً من أعلى بناءٍ في جهة قوات النظام، قتلهم جميعاً، لم يتمكن أي من المتحاربين من سحب الجثث، فقد سقطوا في منطقةٍ مرصودةٍ للجميع، ذكر الناس بعدها أمامي، أن هناك كلاباً أكلت جثثهم، تقبلهم الله.

هل طلبك المحقق في اليوم التالي؟

بعد جلسة السيجارة، طلبني مرة واحدة، لم يسألني أي سؤال، بصمتُ على أوراق لا أعرف محتواها، ولم أتجرّأ على سؤالهم، وبعد البصم أخبرني بأنهم سينقلونني قريباً، وفعلاً ما كادَ يمرُّ أسبوع بعد البصم، حتى حضرَ السجان، فتح الباب، ناداني للقيد وعصب العينين، دون شتائم هذه المرة، فتجرأتُ وسألته أين سينقلونني؟

أجابني بالهدوء ذاته:” رح تتمني لو أكلتكِ الكلابُ مع الجثث يا……..”

كان قد مضى على وجودي في الأمن العسكري عشرين يوماً تقريباً، حين تشاركتُ مع عدة نساء معتقلات سلاسل الجنزير، صعدنا رتلاً إلى سيارة السجن، كان رتلنا يمشي ببطء، بين صفين من عناصر الأمن، هي حفلة الوداع التي يعرفها معظم السوريين، ركلٌ بالأقدام، وضربٌ بالعصي والأنابيب الخضراء، مع الحفاظ طبعا، على تراثٍ من الشتائم، التي أجزم أنها حصريةٌ بمعتقلات بشار الأسد.

منذُ عدة ساعات، وسيارةُ السجن تنهبُ الدروب، كنت أغفو أحياناً، سمعتُ معتقلةً تذكرُ كلمة الشام، لم تكن تعنيني الوجهة، طالما أن الكلاب بانتظاري أنّى اتجهتُ، عرفتُ حين دخلنا الزنزانة أننا في فرع فلسطين وكالعادة قبل دخولنا استقبلتنا دمشق بحفلٍ، لكنهُ أقسى مما ودعتنا به مدينتي، داخل زنازين فرع فلسطين وجدتُ سوريا بكل لهجاتها، باستثناء لهجة واحدة كانت دائماً خارج الزنازين، بلا قيد ولا عصابة عيون، أرجوك لا تحذف هذه الحقيقة من المقابلة.

أخبرينا عن تفصيل حياة المعتقل في فرع فلسطين؟

بقيتُ في الزنزانة الانفرادية مدة شهرين، شاركتني جحيمهما صبية من القلمون، كانتْ تهمتها نقلَ المتفجراتِ لمقرٍّ سريٍّ في وادي بردى.

لستُ دقيقةً في حساب عدد الأيام، ولولا وصول معتقلات جدد كل فترة، لضاع منا الزمان هناك، تعرضتُ خلال هذين الشهرين لكل أنواع التعذيب، وسمعتُ أصواتاً ليست بشرية لشبابٍ يُعذبون، لم أكن أراهم في درب التحقيق، لكني كنتُ أحسّ حرارة أجسادهم، وأسمع أنينهم، كانَ المحققون يريدون مني تفاصيل كاملة، عن ملف المخطوفين، وفي جلسة تحقيق كانت الأخيرة، قال لي المحققُ إنّ الإرهابيين التكفيريين غرروا بنا، وإن الجثث التي أكلتها الكلاب تنتمي لكل مكونات الشعب السوري.

في تلك اللحظة كانت الدماء تنزف من أماكن كثيرة من جسدي، وهناك ورم في يدي اليمنى، يؤكد بأنها مكسورة، لا أذكرُ عدد الحروق بأعقاب السجائر، أو الحروق التي أصابتني نتيجة سكبِ الشوربا المغلية على جسدي، من قِبَلِ السجانة، من وراء كل هذا الألم، صحّحْتُ للمحقق معلوماته صارخةً بوجع:” لم تنتم الجثثُ لجميعِ السوريين، كلُّ الجثث تنتمي للسُنّة فقط، أنا أعرفُ أسماءهم، وأعلمُ أنهم ذهبوا في دربِ الموتِ، على أملِ إحضارِ أدويةٍ للمحاصرين، فقتلهم رشاشُ الجيش العربي السوري”.

كان ثمن ذاك التوضيح غالياً جداً، دفعتُهُ طوال تلك الليلة،

طلبوني بعدها لحفلات تعذيب دون تحقيق، كانت المواعيد تتباعد، وهذا يحصل حين تأتي معتقلات جدد، استمرّ اغتصابُ المعتقلات، لم تكن حصص الاغتصاب متساوية، فالأمر يخضع لاعتبارات العمر والجمال وموقع أقارب المعتقلة في أجسام الثورة، حُقَنٌ لمنع الحمل، وحبوب كابتيكول لزيادة الهياج، حتى المكياج حضر في إحدى الليالي، يومها دخلت السجانة غرفتنا، نادت على الرقم 21/5، فتقدمتْ صاحبة الرقم نحو الباب، قالت لها السجانة:” زوجك فطس وقرر الضابط من اليوم يكون بداله”.

ناولتنا السجانةُ المكياج، طالبةً منا تحضير العروس كما يجب، “بدنا نزفّها للمعلم بعد نصف ساعة، وإذا صار تأخير، رح نزفكن كلكن اليوم.

كان الجميع يبكي باستثناء العروس، ذهبتْ بلا دموع، لتعود بعد وقت طويل، بلا دموعٍ أيضاً!!

جلستْ العروسُ قليلاً ثم قالت لنا:” إذا متت هون أكيد رح تعيش وحدة منكن وتطلع، أمانة تقول لكلّ الناس اللي برا إنه عاطف نجيب نفّذ تهديده، ما حبلوا منو كم وحدة، حبلوا آلاف السوريات”.

*هل بإمكانك الانتقال لمرحلة ما بعد فرع فلسطين؟ إلا إذا كان هناك تفصيل مهم يجب ذكره.

سنتان وسبعةُ أشهرٍ مضى عليّ في فرع فلسطين، منذ انتهى التحقيق الرسمي، وأنا أنتظرُ الفرج بالانتقال إلى سجن عدرا، كحال جميع من تركنَ هذا الجحيم، لكن السجانة بعد كل هذا الصبر، قرأت عدة أرقام وأكدت أن الانتقال سيكون لسجن المزة العسكري، وفعلاً تمّ نقلنا بالوداع ذاته والاستقبال، كان شكل السجن غريباً، فأكدت لنا معتقلة مخضرمة، أن هذا الهنغار منفصل عن مباني السجن، ثمّ أضافتْ أنّ الهنغار كان رحبةً للمطار، ثم قاموا بتقسيمه لعدة غرف، وهنا لا زيارات ولا جلسات قضائية ولا طلبات استرحام ولا حصص تنفس، جميعُ هذه التفاهات للمعتقلين البسطاء، أما هذا الهنغار فهو للمعتقيلن “الهاي”، ومن يدخلون الهنغار، لا يخرجون إلا إلى القبر.

لم نتعرض في الهنغار لأي تعذيب، والمكان أكثر سعة من فرع فلسطين، لكن بعد وصولنا بسنتين، بدأت رحلة الجوع الشديد، كان الطعام بالأصل سيئاً جداً وقليلاً، لكن مع منتصف العام 2018 صار هذا السيء القليل حلماً.

كيف كان يمضي الوقت في سجن المزة؟

لا شيء يستحق الذكر، أيام متشابهة تماماً، أحضروا مرةً معتقلةً جديدة، وصلتْ كالعادة معصوبة العينين، حين أخبرتها إحدانا أنها في سجن المزة العسكري استغربت، وأكدت أنها آتيةٌ من سجن المزة، ثم أكدت لنا المعتقلةُ الجديدة، أن سجن المزة غرفٌ وزنازين منفردة، فيه تعذيبٌ ليس كهذا المكان الهادئ، يومها دار جدالٌ طويل، لا تستغربْ ففي المعتقل يغدو أي حدث جديد، مجالاّ للنقاش، مهما كان تافهاً.

بعد مرور خمس سنوات وعدة أشهر، أخذوني برفقة معتقلة من غرفتي، وثلاث معتقلات من الغرف الباقية، لم نر شيئاً خلال الطريق ولا حين نزلنا من سيارة السجن، قالوا لنا إنه سجن صيدنايا، لم يعن لي الأمر شيئاً، كانت صالة كبيرةً نظيفة، فيها إسفنجات على الأرض، نعم كان الأكلُ أكثر هنا، وكذلك حصتنا في الاستحمام، بعد نحو أسبوعين من وصولنا لذلك المكان، أحضروا معتقلاتٍ يختلفْنَ عن كل ما رأيناه سابقاً، كان في وجههن دماء، وأحاديثهن لا تعرف بؤساً، كن يضحكن، سألت إحدانا إحداهن:” إنتوا إرهاب”؟

فأجابتها إحداهنّ:” لا حبيبتي نحنا جريمتنا ناعمة وسببها الحُب”.

قبل أربعة أيام دخلت السجانة، قرأتْ من ورقةٍ ثمانية أسماء، بينها اسمي الذي أطلقه علي أبي، ثم قالت إن السيد الرئيس أصدر عفواً عاماً عنا، وإنّ كل الموجودات معنا مشمولاتٍ بالعفو، لكنّ الأمر يحتاج إلى أيام لخروج كل الدفعات، كنا نبكي ونتحرك كمن أُصِبنَ بمسّ، دون وعي منها احتضنت إحدانا إحداهن، ابتعدت الإرهابيةُ عن الأخرى واعتذرت.

هل تحبين إضافة أي شيء؟ رسالة ربما

أتمنى أن يكون همنا الأول هو إخراج البقية، عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والرجال، ما زالوا هناك في الجحيم. وما زالوا ينتظرون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى